عبد الوهاب الشعراني
331
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
أكثر من الملك إلا أن تخاف سطوته ولا تعرض عن الفقير حتى يفرغ من حاجته التي جاءك لأجلها . فعلم أن تجلي الحق تعالى بالحضور عند الملك المطاع تجل في غير موطنه اللائق به إذ الكبرياء والعظمة إنما تليق بأهل الجنة في الجنة لعدم التحجير عليهم وزوال التكليف وما عاتب اللّه تعالى نبيه بقوله : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) [ عبس : 1 ، 2 ] إلا لكون ذلك الأعمى أن جاءه الأعمى فقيرا فغار تعالى لمقام العبودية والفقر أن يستهضم لأجل صفة عزا وقهرا أظهرت في غير محلها وأطال في ذلك . وأما معنى قوله تعالى : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) [ عبس : 5 ، 6 ] فذكر الشيخ في الباب التاسع والأربعين وخمسمائة أن معناه : العتاب في حال اجتماع الفقراء مع الأغنياء لا مع الانفراد فإن من الأدب الإقبال على كل وارد من غني أو فقير وفي الحديث إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه . وقال تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 8 ) [ الممتحنة : 8 ] . وهنا نكتة ينبغي لك يا أخي أن تعرفها وهي : أن الملك العزيز في قومه ما جاء إليك ولا نزل عليك حتى ترك جبروته وكبرياءه خلف ظهره قبل أن يأتيك ، فما أتاك إلا وهو يرى نفسه دونك فكان جبروتك في نفسك إذا لم تقبل عليه وتتواضع له أعظم من جبروته هو فعلى كل حال يلزمك مقابلته بنظير فعله معك وأنزله أنت منزلته من نفسك قبل أن يأتيك وأدخل عليه السرور والإقبال والتبسم تكن حكيم الزمان فإن اللّه تعالى ما عاتب نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، في حق الأعمى والأغنياء إلا لكون الفريقين كانا حاضرين فبالمجموع وقع العتب لا مع الانفراد . وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : إنما أقبل صلى اللّه عليه وسلم ، على الأغنياء لصفة الغنى التي تظاهروا بها والعارف باللّه تعالى ينبغي له الإقبال على كل نعت إلهي من جلال وعظمة وغيرهما ، فإن وقع أن أحدا من العارفين عوتب على إقباله على الأغنياء فليس ذلك من حيث تظاهرهم بالغنى ، وإنما ذلك لعلة أخرى فعلم أنه لا ينبغي القياس على هذا العتاب وطرده في حق الأغنياء مطلقا فإن ذلك مزلة قدم عن الشريعة فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قد أمرنا بإكرام كريم كل قوم إذا أتانا كما مر فافهم . وعلم أيضا أن تعظيم العارف للملوك والأمراء والأغنياء ، إنما هو من تعظيم الرب جل وعلا ، وأما تعظيم الفقراء فإنما ذلك جبرا لقلوبهم لانكسارها انتهى . وقال في تفسير هذه الآية أيضا الباب الثالث والستين ومائة : اعلم أن الغنى صفة ذاتية للحق تعالى :